سعاد الحكيم
14
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
لطيفة ، إذ التقى في الينبوع الكبير بالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ( المتوفى عام 638 ه ، أي قبل الجيلي بحوالي القرنين ) ، وكان ابن عربي واقفا وبيده أجزاء ( كانت عند الجيلي ) من شرح فصوص الحكم لداود القيصري يريد أن يعلّمه ما فيها والجيلي يريد أن يقرأ عليه ؛ كما كان في غاية السرور والتبشيش ، فجلس الجيلي بين يديه ، وأكل معه « الملوخيا » ، وهو « طعام لا يؤكل إلا عند اجتماع الأحباب » ، بحسب تعبير الجيلي « 1 » . والملفت للنظر أن الجيلي يذكر تاريخ هذه الواقعة عام ( 889 ه ) ، وهذا التاريخ يجعل اللقاء بعد وفاة الجيلي نفسه بحوالي الستين سنة . . ربما هناك خطأ في تدوين التاريخ ، أو ربما يريد الجيلي أن يخبرنا بنمط حياة يستمر بعد الحياة . أما أول سفر بعيد ، أدخل الجيلي نطاقا حضاريا مختلفا ، فهو سفره إلى الهند ، عام ( 790 ه ) ، وكان له من العمر 23 عاما . . وقد دوّن مشاهداته في العالم الخارجي ، والغرائب التي أطّلع عليها في أنماط البشر ؛ كما شهد على عقائد مختلفة مستغربة لديه ، وعرض لتفاصيل إيمانية لدى شعوب المنطقة « 2 » . يترك الجيلي الهند ، ونراه في مكة عام ( 790 ه ) ، حيث التقى الجبرتي [ للمرة الأولى بحسب رواية أن الجيلي بغدادي فارسي الأصل ] . بعد مكة نجد له رحلات إلى بلاد فارس . . إلى أذربيجان ، وشيروان ، وجيلان ، وخراسان . . وكان الجيلي أثناء ذلك قد قارب الثلاثين من عمره . وفي بلاد فارس يتعلّم الفارسية ويتقنها ، ويؤلف بها كتاب « الانسان الكامل » بلسان الفرس « 3 » . ورسالته « جنة المعارف وغاية المريد والمعارف » . وبعد بلاد فارس يتجه إلى جنوب الجزيرة العربية ، كما ذكر الأهدل « 4 » . في عام ( 796 ه ) ، وقد شارف الثلاثين يصل إلى زبيد ، ويظل بها حتى عام ( 799 ه ) ، يجتمع بالإخوان في مسجد الجبرتي « 5 » . وفي هذه المراحل من عمره يظهر
--> ( 1 ) الجيلي ، شرح رسالة الأنوار ، مطبعة الفيحاء ، دمشق ، 1929 م ، المقدمة ص 6 . ( 2 ) الإنسان الكامل ، ج 2 ، ص 33 . ( 3 ) را . غنيمي ، عبد الكريم الجيلي ومكانته . . . ، ص 127 . ( 4 ) را . زيدان ، الفكر الصوفي عند عبد الكريم الجيلي ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1988 م ، ص 24 . ( 5 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، ج 2 ، ص 46 .